Home ] Up ]

You are welcome to my web >>>>> Visit it often >>>>> Read and comment أهلاً بك في هذا الموقع .... اقرأ وعلّق كما يحلو لك ...

 

الروائح الضائعة

 

الذاكرة هي الريح.

النسيان تيار بحر عنيد.

بدون الذاكرة نبقى عائمين على سطح الماء تتقاذفنا الأمواج .

وبدون النسيان يصبح البحر ماء ساكنة ذات طحالب نتنة.

 

إن

 مايقولونه عن جدي أنه قد جُنَّ في ذاك الصيف ليس له أصل وغير صحيح. كل ما في الأمر أنه كان على عجلة من أمره. لقد كان على عجلة في أن ينجز مالم يتمكن من إنجازه كله إذ هو على يقين أن زمنه محدود وليس لديه من الوقت المتبقي كثير. لقد أراد أن يتم كل شيء دفعة واحدة. لربما كان هذا مس من جنون، إلاّ أنه لم يكن مجنونا‎ً. إن كل مافي الأمر أنه غاص في أحلامه. وهذا يمكن أن يحدث لأي منّا بكل تأكيد . وحتماً يمكن أن يحدث هذا أيضاً لكل من كانت لديه أحلام وتحل به عجلة على أن يعيش تلك الأحلام وقد أدركته السنون.

لاأعرف، ربما كان الواقع أننا نحمل على كواهلنا الكثير من الأحلام منذ أمد بعيد وسحيق وحينما نبلغ من العمر عتياً نفطن إلى أن هاته الأحلام هي ماكنا قد نسيناه. وعندما ندرك هذه الحقيقة تلم بنا عجلة على أن نتذكر تلك الأحلام، ولكي نتذكرها علينا أن ننسى كل شيء آخر. وعندئذ نبدو وكأن مساً من جنون قد حطَّ بنا.

تعودنا سماع أنه عندما يبلغ الكبار من العمر سناً متقدمة يتحولون إلى أطفال، لكن هذا خطأ مبرم. المسنون مثل كل المسنين. والأطفال مثل كل الأطفال. الأطفال يحلمون بماهِيَّة أن يصبحوا بالغين راشدين. ويحلم المسنون كيف كانت ماهِيَّتهم عندما كانوا أطفالاً. وهذه الحقيقة لاتجعل من الأطفال مسنين كما لاتجعل من المسنين أطفالاً. وعلى كل امريء أن يفهم هذه الحقيقة.

بدا جدي في ذلك الصيف الذي جُنَّ به وكأنه قد قرر أن يتذكر كل شيء بنسيان كل شيء. هنالك حكاية كتبها (إدغار ألن بوEdgar Allan Poe ) يحكي فيها قصة ملاّح كان يُبْحِرُ بسفينته في رحلة طويلة وجَرَّتْها ريح لتدفع بها حلزونياً وباستمرار وتنجذب تدريجياً نحو مركز الدوامة القاتم. هناك في عين الدوامة يغرق كل شيء ويُسحَبُ إلى أعماق البحر حيث يلفُّه الموت. لكن ما الذي يفعله هذا الرجل كي يتغلب على موت ونهاية محققين: غرق، موت ونسيان؟

أجل إنه يغادر السفينة. ويكتشف الرجل أن الأشياء الصغيرة تنبذها قوة التيار من مركز الدوّامة بينما ُتجذَبُ الأشياء الكبيرة إلى فوهة النسيان الجشعة التي تغلفنا في أي لحظة كانت.  هذا مافعله جدي. لقد غادر السفينة وهجر ذاكرته ونسيانه. لقد خدع، وإن كان ذلك مؤقتاً، تيار الشيخوخة وتحاشى نهايتها القاتمة، الموت. أَلـمْ يُصرِّحُ جدي ذاته بأنه لم يعد في عِزِّ سوائله؟* لذلك هجر كل السوائل ونجا بنفسه من الدُوّامة.

الموت والنسيان يجران معهما إلى الأعماق كل شيء كبير وشامل وكذلك الأفكار الكاملة. أما ماهو صغير وتافه بوسعه أن يُنْقِذَ نفسه من فَكَّيْ دُوّامة النسيان عندما تهب ريح الذاكرة الواهنة.

كان جدي  يعيش ذلك الصيف في (البنسيون (Pensionat  متحرراً من سجن شيخوخته. كان طفلاً يلعب في الغابة. كان فتىً يقع في أول غرام له. كان الزوج الذي خان زوجته. كان ذلك الرجل الناضج الذي حاز على رُتَبٍ وألقاب جديدة في جمعية لم يسمح لغيري أن يفهمها. كان هذا جدي، والد أمي، وأنا أحد أبناء أبنائه.

أتذكر على وجه الدقة صباح يوم أيقظني فيه جدي وتسللنا إلى غرفة الجلوس دون أن نوقظ جدتي. ربما بدأت حاله وقتئذ. همس جدي في أذني أنه هرب من سجن )التاور(Tower  ليلاً بواسطة الأحلام. كنت أعرف أين يقع )التاور(Tower . إنه يقع في "لندن" حيث كانت تُسْجَنُ الملكات والملوك في العصور القديمة. أعتقد أنهم قنّعوا وجه أحد السجناء كيلا تُعْرَفَ هُوِيَّتَه. أو ربما كان هذا في برج آخر. أما بالنسبة (التاور Tower) فقد حدثني عنه جدي كثيراً. والآن يخبرني أنه هرب منه في ذات الليلة. إستفسرته إن كان يحلم، لكنه أجابني:

-لا، لم أحلم أنني هربت. إنما هربت عبر حلمي.

وحكى لي كيف وقف حراس القصر متجاهلين هربه وتركوه يمر بكل سهولة. جرني معه إلى صالة الطعام في )البنسيون (Pensionat  وأخرج من خزانةٍ زجاجة كحول على لصيقتها صورة جندي بِزِيٍّ قديم. قال جدي أن هؤلاء الجنود يُسمون (بيف إيترز Biffeaters) وأن هذا يعني آكلي اللحم. و قال أن الحراس في القصر مثل هذا الجندي تماماً. لقد جعلت من نفسي حلماً أَمُرُّ من جانبهم، قال جدي. إنهم لايستطيعون رؤية من كان حلماً وليس من دم ولحم. كانوا يقفون مثل هذا الجندي على الزجاجة: في إستعداد دائم لأنه في ظنهم أن المرء لايحرس إلاّ الجماد واللحم. أما الأحلام فإنها لم تخطر في بالهم أبداً. ليس في وسعهم أن يتخيلوا من هو مثلك ومثلي الآن.

بَرَمَ غطاء الزجاجة ومن ثم رفعه وَصَبَّ قليلاً من الكحول في كأس مخروطية ومن ثم أعادها إلى مكانها. قال،بعد أن دفع بالكحول في حلقه مرة واحدة، ما اعتاد أن يقوله عندما يشرب جرعة:

- إنه من العسير عليَّ أن أفهم كيف يمكن لإمريء أن يُسيءَ استعمال شيء لذيذ بهذا القدر.

وهكذا سحبني من يدي حيث قادني إلى خارج (البنسيون (pensionat. إن في وسعي أن أرى أن الندى لايزال على المرج الأخضر وأن نوافذ المخبز تُفتَحُ لتوها. سمعت صداح عصافير من الغابة. خيل إليَّ أنها آلاف العصافير. قال جدي:

- تعال ! سأريك كيف يحلم المرء نفسه حراً.

وانطلقنا في الغابة. ربما بدأت أنسى جدي  في تلك اللحظة . ربما شرعت في نسيانه لأنني اعتقدت في جنونه بحيث أنني في آخر المطاف لم أعد أتبين حقيقته وسط كل الأحلام، والأساطير، وصور تلك الذكريات الضئيلة المنعدمة الوزن حتى اللاوجود. نسيته لأنَّه علَّمَني أن أنسى. تبدَّد بالنسبة لي في مكان قصيٍّ داخل أحلامه وأيقنت أنه اختفى عني إلى الأبد.

قال لي:

- تعال، سأريك العدم تقريباً.

حسبت حقاً أنني نسيت جدي. لم أنس أنه وُجِدَ يوماً ما لكنني نسيت كيف كان. وهكذا، ومنذ بضعة أيام فقط تذكرت، فجأة، كيف كان. لاأعرف على وجه التحديد لماذا حدث هذا. ربما كان الدافع شيئاً حلمت به. حلمت أنني كنت في غرفة جدي وجدتي وأنهما متوفيان وأننا على وشك أن نبيع شقتهما. كنا في زيارة أخيرة للشقة نرتب ما نريد الإحتفاظ به وما نريد أن نرميه.  في الحقيقة  لم أكن مع والدتي عندما فَرَّغَت الشقة وباعتها. لكنني كنت هناك في الحلم. كانت بضع أشياء ناقصة: بعض من أثاث غرفة الرجال، خزانة الصحون في غرفة الطعام، حوض الإستحمام الكبير القائم على مخالب أسد بيضاء رخامية ...

كان سرير جدي وطاولة الكتابة الصغيرة لايزالان في غرفته إلاّ أنَّ الأوراق والكتب اختفت. أما آلة موسيقى (كورونه Coronne) فإنها مازالت في خزانة ملابس* جدي، ولكنني عندما دخلت الخزانة  في غرفة الجلوس إكتشفت على الفور أن هنالك شيء ناقص. لازلت أتبين رائحة ملابس جدي رغم ما ألم بها من رائحة النسيان المغبرة في الخزانة. على أحد الرفوف كانت آلة موسيقى (يونغ(Jong  التي كنت أعزف عليها حينما هتفت أمي تعلمني أن والدي توفي. إنني لاأفهم لماذا آثروا الإحتفاظ بتلك الآلة. إننا لانملكها البتة.

- لكن عليك أن تحرص عليها، كانت جدتي تنبهني عندما أرجوها أن تسمح لي بالعزف عليها.

وفي تلك المناسبة قالت لي أن الآلة ملك لأسرة أخرى. ولكنني لم أعد أتذكر إسم تلك الأسرة إطلاقاً. أما ذلك الصندوق الخشبي فإنه لازال في حلمي وتمنيت لو أن شخصاً أقصاه بعيداً.

كانت الرفوف الأخرى خاوية. لايمكنني تذكر ما كان عليها، إنما أذكر أنه كانت هنالك أشياء وكنت في حاجة إليها. رفعت أنفي أشم. خُيِّلَ إليَّ أن الروائح تود أن تقص علي شيئاً. وكنت كلما أمعنت في الشم أحس وكأنني ألفت الرائحة وما عاد في وسعي أن أميزها عن بعضها. تحولت الروائح إلى مزيج مضجر قاتم عسير تمييزه.

وكبست، وأنا لاأزال في حلمي، على زر )باكليت   (Bakelit  قرب الباب أُنَوِّ‎رُ المصباح. إنتشرت حرارة الضوء الذهبية من المصباح العاري* في الخزانة. دخلت وأوصدت الباب خلفي لأنني أريد أن أكون لوحدي بين روائح جدي. نظرت إلى ملابسه وأدركت أن الرائحة تنبعث منهم. كان للخزانة رائحة خاصة بها، ولكن النسيان في الملابس يخدع، والذكريات تنشر أوساخها  في الجيوب. إكتشفت أن القمصان والبدلات والأحذية ناقصة. ولم تعد الصناديق الورقية للملابس الداخلية والجوارب موجودة. أما عُقَدُ الرَّقَبَة القديمة ذات بقع البَيْضِ وصابون الحلاقة فإما أنها رُمِيَتْ أو غُسِلَتْ.

أطلقت أصابعي لتحوم على الرفوف الخاوية. نظرت إلى الزجاج المقتم في النافذة البيضوية المطلة على درج البناية. كانت قطعة قماش مزهَّرة معلقة عليها في السابق. كان كل شيء يفتقد إلى إسم فانطلقت أَجْترُّ الذكريات عسى أن أجد شيئاً أُسَمّي به كل شيء حولي. سمعت الباب يُفْتَحُ من خلفي وصوت أمي :

- أتقف هنا ؟

أجبت:

- نعم !

كنت ثائراً من الغضب. سألت عن جميع أشياء جدي. أجابتني أمي أن معظم الأشياء إما رُمِيَتْ أو وُزِّعَتْ. سألت لماذا، فأجابتني أمي أنها ظنت أنه ليس هنالك مايثير إهتمامي. بعد هذا أدبرت وتركت الباب مفتوحاً. كان في المطبخ إمرأة لاأعرفها تنظفه. وكانت هنالك أسرة أخرى ستنتقل إلى الشقة قريباً. سمعت أصواتهم، لكنني لم أتبين ما كانوا يتحدثون عنه.

أغلقت باب خزانة الملابس ثانية بهدوء. أحسست بالنور الأصفر أكثر قتامة ولفَّني بقشعريرة مازجتها برودة وحرارة. أدخلت رأسي بين ملابس جدي وجعلت وجهي تلفه تلك الملابس التي لم تستعمل منذ فترة طويلة. لم أكن على مقدرة أن أميز إن كنت حزيناً أم سعيداً. وحضرتني الذكريات:

إنني مستلق على فراشي لأنام في غرفة الجلوس الداخلية. ربما كنت في الثانية أو الثالثة من عمري، لاأعرف. سينام جدي إلى جانبي على سرير متحرك. إن لجدي، في الحقيقة، غرفة خاصة به، ولكنه ينام دائماً معي عندما أكون في زيارتهم. كنت مستلق في السرير يقظاً رغم أنني كنت مرهقاً ومتعباً. كان جدي وجدتي يتحدثان عن شيء، لكنني كنت واثقاً أنَّه سيأتي إليَّ قريباً ليحكي لي حكاية.

كان الموزع يقع عند نهاية جدار الغرفة القصير وكان ضوء المطبخ يُنير قطعة من أرضه. كان باب الحمام مغلقاً وكذلك باب غرفة الطعام وباب غرفة الرجال أيضاً. إنني أسمع صوت مذياع من المدخل أو لعله صوت شخص يغني. تبلغني أنفاس شخص يصعد سلم البناية ويتنفس بعمق وثـقل. رائحة أغطية السرير طيبة من الكوي والغبار. هنالك تحت لوح زجاجي صورة بضعة طيور )الطيهوجOrr ) تصدح. عُلِّقَتْ اللوحة الكبيرة لشقيقة أمي المتوفاة فوق السرير من طرف الرأس. لم تكن صورة شقيقتها الكبرى، أم  (غونّر(Gunnar ، شقيقة أمي الغائبة، لكنها كانت صورة الصغرى، الطفلة. كانت ترتدي ثوباً قديم الزي جميلاً وكادت الصورة أن تكون بطول قامتي. لكنها كانت أكبر مني سناً. إنها أطول عمراً مما يمكن أن أبلغه يوماً ما. أن عمرها مثـل الموت، والموت غائب وإنني أنتظر جدي.

ويستلقي جدي إلى جانبي على السرير المتحرك.  إن  لجدي صوت فريد‏. إنه يتحدث بتؤدة وكأنه يعرف بالضبط ما يتحدث عنه. صوت جدي يتحرك بلا عجلة رغم أنه يتحرك طيلة الوقت. صوت جدي حنون وجاف قليلاً مثل تنفسه تماماً. إنني أتحسس بيدي سطح خزانة السرير الباردة. لم أفتح تلك الخزانة إطلاقاً. ولن أفتحها يوماً ما على الإطلاق. يُهَيُّء لي في الحلم أن تلك الخزانة قد نُحِتَتْ من صخرة واحدة. إن جدي لايحرك تلك الخزانة عندما يسحب السرير المتحرك من تحت سريري. إنه يتدبر الأمر بأن يسحب طرف الأرجل أولاً. غطت الصُوَرُ كل الجدران. إنها صُوَرٌ قديمةٌ لمدينة (مالمه  حيث بنى والد جدي  "بيت الشعب" ومن ثم جلس يحلم في حديقة غطتها الورود. إنها ذات المدينة التي وقف شخص غير جدي يخطب في الشعب في ساحة (السوق الكبيرة Stortorget ) عشية إحدى ليالي عيد الميلاد. هنالك أبنية لاأعرف موقعها وناس لاأعرف أسماءهم وجياد وعربات وكلاب ودكات بيع وتمثال لغيوم داكنة جدّاً وتمثال آخر لطيوف بيضاء تعانق الثلج وهو يندف.

وهنالك، في صُوَرٍ أخرى، كلب والدتي عندما كانت صغيرة. هنالك قصاصات جرائد وطبعات باهتة اللون وصُوَرٌ تَسْوَدُّ تدريجياً. وهنالك أيضاً صُوَرُ طيور (الخلنج وطيور (الطيهوج (Orrar تـنظر إلى  إلى انعكاس صورتها على تَجَمُّعِ ماء في الفلاء. يُهَيُّء لي أنني أرى صفقات أجنحتها على زجاج أطرها. وهنالك في الزاوية، قرب الباب، صندوق الخياطة على كرسي بلا مسند مرتفع. وبعده باب الحمام ومن ثم باب غرفة الطعام وتتليه المرآة العالية وإلى جانبها باب غرفة الرجال ودبلوم جدي العسكري ومكتبية يتلوها السرير الذي أستلقي فيه..

ساد ظلام حيث نستلقي في غرفة الجلوس.خلع جدي جاكيته وصدارته ووضعهما على كرسي بلا مسند. تمددت على بطني أنظر إلى  جدي وهو مستلق بجانبي. وضع ساعته الذهبية وسلسلتها على طاولة رخام صغيرة. وإن أراد أحد أن يفتح ساعة جدي فعليه أن ينفخ عليها أولاً. كان من عادة جدي كلما أراد أن يعرف الوقت أن يُقَرِّبَ الساعة من وجهي فأنفخ عليها فتنفتح. إن جدي مستلق على جنبه. ذقنه المزدوجة المترهلة لها ذؤابات شعر أبيض قرب ياقة القميص. يبدو أنه من الصعب على جدي أن يوفق في حلاقتها.

إنني أعرف مسبقاً الحكاية التي سيقصها عليَّ جدي. إنها تدور حول صبي بنفس إسمي، لكنه ليس أنا. إنه شخص مثلي أو ربما مثل جدي. وأحياناً أتمكن من أن أفكر أنه صبي مثل أبي. مثل أبي عندما كان طفلاً أو مثل جدي عندما كان صغيراً.

كان الصبي في حكايات جدي يمشي في الغابة دائماً قرب مجرى ماء، أو ربما في مرج أخضر قرب مجرى ماء، أو ربما في طريق قرب مجرى ماء. إنه يمشي دائماً قرب مجرى ماء. وهذا الصبي وحيد دائماً، لكنه غير وحيد لأنه في حكايا جدي. ويلتقي الصبي دائماً بشخصٍ. وهذا الشخص يحتاج إلى مساعدة دائماً أو غاضباً بعض الشيء. ويساعد الصبي ذلك الشخص دائماً. يجلب له شيئاً أو ربما يعثر له على شيءٍ فقده. وتنتهي حكاية جدي في أن يُفسِرَعن إسم الصبي ويكون هذا الصبي حاملاً لإسمي. ويقول جدي:

- (أكسل Axel )، هكذا يدعى الصبي.  (أكسل Axel ).

إنني أعرف تماماً عما تدور الحكاية، ولذا لاحاجة لي أن أصيخ السمع. كانت حاجتي أن أسمع صوت جدي. وعبر صوت جدي أخرج من الشقة وأرتقي درج البناية إلى العمة (أنـّا (Anna والعمة (تيلداTilda ). إنني لاأعرف إن كانتا شقيقات جدي فعلاً. ربما كانتا ذلك. إنني أصعد درج البناية منصتاً إلى الشقق الأخرى. هنالك شخص يتحدث مع حارس البناية. وأتابع عبر، صوت جدي، إلى العمتين (أنـّا Anna) و(تيلدا Tilda).

إن شقة العمتين ضيقة ومكتظة بالأشياء بشكل لايُعقَل. هنالك أشياء كثيرة بحيث أن من يود المشي عليه أن يراقب موضع قدمه. كانتا دائماً في مطبخهما، وكأن ليس لديهما أية غرفة أخرى. المطبخ صغير لاينوف عن غرفة الملابس سعة. تنتشر، في المطبخ، علب مربى وعلب سكر وعلب صغيرة من الصفيح فيها شاي وقهوة وعلب توابل وزجاجات زيت وزجاجات قطر. تجلس كل منهما على كرسي مخصص لها وتبدو العمة (أنـّاAnna )  وكأنها توفيت لتوها وأنا لاأعرف ذلك لأنني صغير، كما لا أعرف إن كنت أحلم بهذا كله.

لديهما، في المطبخ، علب (سيجار Cigarr) كثيرة. من المحتمل أن تحتوي على أشياء شتى: رسائل قديمة وصور عتيقة، دبابيس شعر ولقاطات ثياب، توابل ووصفات لطهي الطعام.  كان في إحدى علب السيجار الكبيرة معالق وشوك وسكاكين من الفضة. كانت الشوكات والمعالق في القسم المخصص (للسيجار Cigarr)الطويل، وكانت السكاكين في حجيرتين ضيقتين. أما معالق وسكاكين أكل (الكعكة TSYMBOL 229 \f "Souvenir Lt BT Euro"rta ) فقد كانت في القسم المخصص (للسيجار Cigarr ) القصير. لكن حجيرة السجائر ولفافات التبغ فقد حوت معالق القهوة والشاي.

كان السبب في وجود هذا العدد الهائل من علب السيجار أن العمة (أنـّاAnna ) كانت تعمل في مصنع لتحضيرها طيلة الزمن الذي يستطيع إنسان أن يتذكره. أعتقد أن حياة العمة (أنـّا(Anna كلها في علب (سيجار Cigarr) حتى أنها عندما تموت سَتُدفَنُ في علبة سيجار كبيرة. سترقد هي في القسم الكبير أما صورها ورسائلها وقفاذاتها القطنية البيضاء وقبعة الخوص فيمكنها أن تحتفظ بهم في الحجيرات الصغيرة. وربما هذا ما حدث بالفعل لمـّا توفيت.

هناك، حيث تنامان، داخل غرفتهما، مليء بصور قديمة لناس لا أعرفهم. أحدهم هو جد والدتي، وهذا أعرفه. له وجه وديع مدور مثل وجه جدي تقريباً لكنه أكثر إستدارة يقف قرب عمود عليه ورد. وتجلس جدة أمي على كرسي أبيض قرب طاولة بيضاء في حديقة. لقد نسيت كيف كان شكلها. إنها خيال أبيض له وجه من جليد تبدو وكأنها تذوب تدريجياً طيلة الوقت.

وهنالك في الغرفة، أيضاً، كثير من زجاجات عطر صغيرة نضدت على الطاولات الصغيرة في صفوف طويلة منتظمة. وكذلك سبب اقتنائهم هو أن العمة (تيلدا Tilda ) تعمل في مصنع لتحضير العطور. كان جدي وجدتي يقولون أن العمة (تيلدا Tilda ) تقتني كثيراً من القبعات الجديدة . كما تقول جدتي أيضاً أن العمة (تيلداTilda ) دؤوبة على شخصها. وتعني بهذا أن العمة ( تيلدا ) تهتم بملابسها.

وحدث مرة أن العمة (تيلدا Tilda) وهي في طريقها إلى البيت من عملها هبت ريح وألقت بقبعتها في القنال . ونزل رجل إلى القنال واصطادها بشنكل إلاّ أن العمة تيلدا تابعت طريقها دون أن تحفل أنه أراد مساعدتها. تابعت طريقها دون اكتراث. وحجتها في ذلك أنها كانت ستحس بالحرج إن مشت إلى البيت وفي يدها قبعة مبتلة بالماء.

كنت دائماً في مطبخ العمة (أنـّاAnna ) والعمة (تيلدا Tilda) لدى زيارتي لهما. وكنت أحس وكأنني في مطبخهما فور دخولي شقتهما. إن كل شيء صغير وضيق والعمة (أنـا Anna) تجلس تحت رف، رُصَّت عليه علب السيجار، تضحك وتطقطق يديها وتسألني عما أريده. عندئذ أرد عليها:

- ملك (الدانمرك Danmark).

وتهز برأسها مستنكرة متظاهرة في معظم الأحيان كي تثيرني قليلاً.  هناك، عند باب الشرفة، تقف العمة (تيلدا Tilda) وقد ارتدت ثوباً طويلاً مزهَّراً أُحكِمَت  أزراره حتى الرقبة. وتشرئب العمة (أنـا Anna)  بجذعها تلتقط علبة سيجار تفتحها. كانت حبات (سكر الحلق)* مبعثرة بلا انتظام في حجيرات مختلفة. كانت الحبيبات تشبه الصليب المرسوم على سيارات الإسعاف. إلا أن بعض الصلبان تكسرت وبدت مثل أجذال أو أحرف. درجت العمة )تيلدا Tilda) على تسميتهم بحلوى الصدر. أعتقد أنها تعني أنهم مثل الدواء تقريباً.

كنت آخذ دوماً بضع حبات أضعها في جيبي ومن ثم آخذ حبة أضعها في فمي. كان لتلك الحبيبات طعم خاص لايشبهه طعم آخر. تعودت أن أمصهم أولاً ومن ثم أقرطهم. وعندما أقرطهم تنبعث في رأسي طقطقة. توميء العمة )أنـّا   (Anna إليَّ برأسها تعني أنه باستطاعتي أن آخذ حبة أخرى. ولما أفعل ذلك تغلق علبة السيجار وتعيدها إلى مكانها فوق الرف. عُلِّقَت حزمة أزهار مُنشَّفة على إنبوب ممدود إلى موقد الغاز.

ووقفت بعدئذ، في الحلم، ورأسي مدفون بين بدلات جدي وتساءلت فيما إذا كانت قبعاته لاتزال على رف القبعات في المجاز؛ وإن كانت عكازه السوداء ذات مقبض الفضة لاتزال في حاوية العكاكيز قرب الباب. لكن لم تكن لدي رغبة في أن أتحقق من ذلك. إذ لم يزل ثمة شيء آخر أريد رؤيته في الحلم. لم أكن أعرف ماهو هذا الشيء، لكنني أريد رؤيته قبل أن أنام في الحلم ... وأن أنام في الحلم يعني أن أصحو.

ربما كنت أريد رؤية كأس ماء جدي المليء بسائل(الفادميكيوم (Vademecum* الذي ُيـخَلِّفُ دوائر على رف زجاجي تحت مرآة الحمام. ربما أردت رؤية الممحاة العتيقة التي لصقها جدي تحت مقعد التواليت الخشبي عوضاً عن الزر المطاطي الذي ضاع. كانت الممحاة مضغوطة مهترئة حتى أضحت دائرية. وكلما نظرت إليها كان يصعب علي أن أدفع عني التساؤل عن الكلمات التي أنجز جدي مسحها بها قبل أن تستقر الممحاة تحت كرسي التواليت.

تنبعث رائحة نوم من بدلات جدي الآن، لكنني لا أعرف إن كان جدي من ينام الآن أم أنا.

إن غرفة الجلوس معتمة الآن، لكن شعاع نور ينبعث من الغرفة حيث تنام جدتي واعتاد جدي أن يُطبِّقَ ورق اللعب ويسمع الأخبار وصلاة يوم الأحد. تهيء جدتي نفسها كي تأوي إلى فراشها. إنني أعرف أن لديها مشد شمعي اللون تحت ثيابها. إنه كبيرمثل درع تقريباُ، لكنني لاأعتقد أنها تنام وهي ترتديه .

إعتاد جدي أن يردد صلاة المساء معي قبل أن يشرع في قص حكايات الصبي الذي يحمل إسمي، لكن أمي منعته من أن يقوم بهذا حينما علمت بذلك. قالت أنها لاتريد ان يحدثني جدي عن دم وجسد وآلام وجه المسيح. صلوات جدي لم تكن إطلاقاً تدور عن ذلك.

يحضرني أنني لم أوفق في طقطقة يدي ونحن نصلي صلاة المساء. لم أوفق أبداً في تقرير أي سُبابَة أُقرِّبها من الإبهام، لذلك كنت أتعمد تبديلها، لكن جدي أفهمني أن عَليَّ ألاّ أُحَرِّك يديَّ أثناء صلاة المساء.

إنني أتذكر بهذا القَدْرِ: كنت مرغماً على أن أحاول عدم تحريك يدي أثناء الصلاة. لكنني لاأتذكر الدم والجسد وآلام المسيح على وجهه. ربما لم تتحدث صلوات جدي عن ذلك إطلاقاً.

أفكر، أحياناً، أن صلوات المساء كانت لها علاقة بغرفة المستودع التي زرتها وجدي بضع مرات نجلب منها السرير الإضافي الذي يشبه نقالة إسعاف. كان السرير مصنوعاً على شكل نقالة إسعاف ذات قطعة قماش بيضاء محكمة على حاملين ومجرى ينزلق داخله مقبضا الحمالة.

كان في المخزن مغزل، مثل ذلك في حكاية (الأميرة النائمة  وكذلك صندوق كبير أسود. كان الصندوق يحتوي على أشياء شقيقتي أمي المتوفيتين. إنني أعرف أن أمي لاتحب ذلك الصندوق. كما أنني أعرف أن في داخله قصاصات جرائد وملابس وصور مؤطرة بسواد وأحذية أطفال صغيرة. ربما كان لصلوات جدي المسائية علاقة بهذا الصندوق.

إنني أتثاءب. ربما كنت أنا من ينام وربما كان جدي. أفكر أن كل من في غرفة الرجال يُغلِق عينيه الآن. يُغلِق  (مُزارت Mozart) و(شوبرت Schubert)و(بيتهوفن(Beethoven و(باخBach )  و (فرديVerdi )و(واغنرWagner ) أعينهم فوق البيانو.  وتغلق قطعة البورسلين، فوق طاولة صغيرة قرب الأريكة، عينيها أيضاً.

يُغْلِقُ الرأس النسوي الوديع في نهاية الرقبة المتحركة عينيه. والآلة الموسيقية معلقة بعيداً في زاوية لا أصل إليها مهما مددت جسدي. وأغلق التمثال الخشبي الأسود، الموجود على غطاء صندوق خشبي مثمَّن الأضلاع، عينيه أيضاً. أما اللوحات الزيتية المعلقة على الجدران فهم الوحيدات اللواتي لايزالون يحملقون. اللوحات وصور جدي، فوق الطاولة، وهو مطرز بالرتب والأوسمة  هم وحدهم يتابعون الحملقة.

لازال جدي بجانبي يتحدث إنما هذا لايعني أن عليَّ أن أسمع. لاأعرف إن كان يريدني أن أنام أم كنت نائماً. لكنني أفكر أنني لاأريد أن أنام لأنني بذلك أصحو من حلمي. إن وسادتي ثقيلة بالكاد أستطيع قلبها لوحدي. يقول جدي أن الفراش محشو بشعر الجياد. وإنني أحس كيف ينفذ بعضها من خلال الشرشف. وسادتي الشخصية معي. رائحتها (إسفنج مطاطي) ونوم.

الآن يغني جدي. إنه يغني نفس الأغنية دائماً عندما أنام. ليس لدي رغبة في أن أفكر باللوحات المحملقة وبصور الشقيقات المتوفيات ولا في الصندوق في المستودع ولا بالخيوط والمنسوجات في الزاوية. لاأريد أن أفكر فيما يقوله والديَّ لبعضهما، لم هذا الهدوء المطبق في شقتنا، لِـمَ تُهَوِّمُ جدتي وكأنها لاتريدني أن أتكلم. إن صوت جدي يشبه مجرى الماء الذي يتحدث عنه. صوت جدي أشفُّ من الضوء وأعتم من العتمة.

وهكذا كنت، مرة أخرى عبر صوت جدي، عند العمة  (أنـّا  (Anna والعمة ) تيلداTilda  (. كأن العمة ) أنـّا  (Anna ميتة. إنها تنظر إلي وتبتسم عندما تطقطق يديها وكأنما تفعل ذلك لأنها تريدني أن أحاول تذكرها الآن.  لأنها ربما تموت بعد الآن ويفوت الأوان.

حلوى الصدر موجودة الآن  في طاسة. لقد التصقت ببعضها وعلى العمة (أنـّا Anna)  أن تساعدني في فكها عن بعض كي أتمكن من أخذ واحدة. يداها بيضاء وحارَّة. هنالك بقع غامقة على ظاهرهما. إن تلك البقع دليل على أنها لازالت على قيد الحياة. لأنها لو كانت ميتة لزالت تلك البقع.

فرغ جدي من الغناء وتستمع جدتي  إلى المذياع. وفجأة تمسك العمة ( أنـّا  Anna) كأساً  بيدها وفي داخله صفار بيضة وسكر. إنها تـُحضِّر لي ) إيكتودي Aggtoddy)  . يداها تخفقان بسرعة والسكر يذوب و (التودي Toddy ) يصبح أكثر كثافة. يقول جدي وجدتي وأمي دائماً أن العمة ) أنـّا  Anna)حاذقة في تحضير) التودي(.

يقولون:

- العمة )أنـّا (Anna كالساحرة في تحضير )التودي Toddy ( إنها قادرة على أن تجعله منفوشاً وأبيض.

إنني، في الحقيقة، لاأريد ان يكون )التودي (Toddy  أبيض منفوشاً. أريده أن يكون أصفر وسكره يقرط تحت الأسنان قليلاً عند أكله. لكن هذا لا أبوح به. إنني أقف في المطبخ أراقب سرعة يدي العمة )أنـّا  (Anna وهي تخفق وكيف ينفش (تودي البيض ويصبح أكثر بياضاً. إنني أفكر أنني على وشك أن أنام. و أفكر أنني سأنام عندما تَبْيَضُّ الأشياء. بعدئذ أستيقظ وأنا أقف في خزانة الملابس محاولاً أن أتذكر رائحة ملابس جدي. وبعدئذ أستيقظ مرة أخرى وقد توغلت في المستقبل لدرجة أنني لا أعرف من أنا الآن.

وأفكر:

- أبيض، أبيض ....

قف هنا قبل أن يغدو كل شيء أبيض.