Home ] Up ]

You are welcome to my web >>>>> Visit it often >>>>> Read and comment أهلاً بك في هذا الموقع .... اقرأ وعلّق كما يحلو لك ...

 

القمر لا يعرف

 

عندما تُوُفِيَتْ جَدَّتي تجول القمر نازلاً عبر غابات الغيم ولألأة النجوم. مرَّ بسفينة قراصنة كبيرة من سنديان سَرِبٍ صَارٍّ، كانت ترسو في (رِدَّارفْيَاردِن  (Riddarfjardenو في الفضاء أو في أيما مكان. كانت سِلْسِلَةُ مرساة السفينة تبعث ضياء باهتاً مثل ضياء ذلك الخاتم الفضي ذي الجمجمة الصغيرة الذي يمكن شراؤه من محل(بوتريكس BUTTERICKS). وكيلا تَتَقَصَّفَ السلسلة ليلاً كان على شخص ما أن يُعْنَى  بها دائماً.

بعد ذلك مضى القمر قُدُمَاً عبر شوارع المدينة وحديقة المستشفى وكل شيء وعدمه وفي آخر المطاف دخل جناح رقم 8. وما أقوله ليس بخيال صبي صغير، لأنني رغم هذا في الرابعة عشرة من عمري ولست طفلاً في القِماط . القمر ليس شيئاً اختلقته. القمر يضرب في الأرض فعلاً بواسطة الليل. القمر يُشَرِّطُ شراع سفينة قراصنة البحر المترقرق بخضرة باهتة.

 بالتأكيد لم تكن سفينة قراصنة البحر من ضمن الأوائل. كانت قبلها تلك الساحرة التي وقفت تتربص قرب عصا مكنسة في ممر الخدمة. كانت الساحرة تتعهد إنجاز الأشياء والأمور التي لم تُنْجِزْ ذاتها  تلقائياً. ولكن في البدء كانت تلك العجوزتان في الدُكَـيْنَةِ الصغيرة، التي كانت في قَبضَتَيْ جَدَّتي. كانت الدُكَـيْنَةُ تُفْتَحُ هنيهات زهيدة يومياً وإن كانت لدى المرء رغبة في شراء موز فَعَلَيْهِ أن يسرع.

ولكن بالطبع كان جدي مايزال حياً وقتئذ، لذا يكاد هذا أن يكون من حكاية أخرى. كان مريضاً وكأنما في قرن آخر، داخل ظل قد نسي الجميع أسمه. وفي هذا الظل استلقى وسعل وشرب ماء صودا وقَلَّبَ أوراق بيضاء ما سَطَّرَ عليها أحد شيئاً. ذات مرة رأيته مستلقياً في السرير ويقرأ جريدة يومية كبيرة ذات صفحات بيضاء تماماً. لربما كان ذلك الظل الذي يستلقي جدي في داخله قد أتى على كل كلمات الجريدة. لا أعرف، إنما إلى جانب سرير مرضه كانت كل الأوراق غير مكتوبة.

ظَنُّوا طبعاً أنني أدرك لاشيء‎. ظنوا طبعاً أنني لم أدرك أن جدي يحتضر. بذا لم يصيبوا، ومع ذلك لم يكونوا مخطئين كلياً. كانوا مخطئين عندما ظنوا أنني لم أعرف أنه يحتضر. ولكنهم لم يكونوا مخطئين كلياً في أنني أدركتُ  لاشيئاً. لم أكن أعرف أصلاً أن جدي قد عاش.

لم يحيا جدي كما لم يكن ميتاً. كان، بكل بساطة، ينتسب إلى حكاية أخرى. كان ينتسب إلى كتاب حكايا آخر جلس صبي آخر مضجر وقَلَّبَ صفحاته. كانت صور فرسان وسيدات بدينات مخربشات على الهامش وكان جدي الوحيد الذي يعرف قدر هذه الصور. والوحيد الذي كان في وسعه أن يكترث بتلك الصور كان صبياً يشبه جدي وجدي أيضاً. كان ذلك الصبي من أعطى جدي كل تلك الأوراق الفارغة. وكان من أجل الصبي مايزال جدي مستلقياً ويقرأ.

أَلِفْتُ الدخولَ على جدي غُرْفَتَهُ وشربَ قليلٍ من ماء صودا خاصة به. في الحقيقة لم أكن أستسيغ مذاقها. في رأيي أن مذاق ماء الصودا مثل مذاق غَبْرَةٍ زد على أنها كانت توخز  وتدغدغ اللِثَّة. إلاَّ أنني كنت أشرب قليلاً منها لأن ذلك وكأنما أشربها سوية مع جدي. استلقى جدي في الفراش مع كل الأوراق غير المكتوبة والجرائد والكتب ذات الصفحات الفارغة. لم يكن هنالك ما أفعله عندما أدخل على جدي غير شرب ماء الصودا الخاصة به والتي طعمها غبرة ولاشيء.

ابتسم جدي وقال:

- إشرب، إشرب !

وبادلته الإبتسامة بمثلها. ودغدغت الماء لِثَّتي وابْتَعَثَتْ وخزات طفيفة في أنفي. أومأت برأسي وارتشفت رَشفة مرة أخرى.

قال جدي مرة أخرى:

- إشرب !

كان هذا كل شيء. بعد ذلك  ولجت غرفة الجلوس حيث كان كل الكبار يجلسون. تقدمت إلى جَدَّتي ونقرت ببراجمي خفيفاً على إحدى يديها. وبينما هي ماتزال تقول شيئاً إلى أحد الكبار، أَقْصَتْ السيجارة ذات المِبْسَمِ الأسود من يدها وعقدتْ قبضتيها أمام وجهي لنقوم بلعبة الدُكَـيْنَةِ والعجوزات. عندئذ نقرتُ مرة أخرى، وتَغَيَّرَ وضعُ قبضتيها ومن ثم فتحت تلكما العمتان الدُكَـيْنَةَ. وكان على إحداهما أن تنطلق إلى أسفل القبو كي تحضر الموز. عندئذ بقيت الثانية أمام دكة البيع وتحدثت قليلاً. كان من عادتها أن تميل جذعها من فوق الدكة نحوي، مستندة على مرفقيها، وشبه ساهية ترسل نظراتها في الغرفة. بعد ذلك تسنى لها أن تسأل مثلاً ما اسمي.

أجبت:

- كريستيان Kristian.

ذكرتُ دائماً اسمي الحقيقي. بالنسبة للاسم لم يكن ليفلح الكذب على المسِنَّات. لو كذب المرء لبدأ في الحال أحد الكبار أن يضحك. جَدَّتي لم تضحك، لكن أحد الكبار فعل ذلك وعندئذ أصبح الكذب فيما يخص الاسم إثماً.

و بعد ذلك كان في وسع إحدى العجائز أن تسأل عن عمري.

قلت:

- ثلاث سنوات.

وهذا يتعذر الغشَّ به أيضاً. ولو كذبتُ لأضحكَ هذا أحد الكبار.

بعد ذلك عادت المُسِنَّةُ الأولى بصندوق موز من القبو. كان الصندوق مليئاً بالموز وثقيلاً جداً. سألتا كم موزة أريد.

قلت:

- خمس موزات.

كان في وسعي الحصول على أي عدد من الموزات، ولذا كان على السواء إن قلت خمس. وعندما حصلت على موزاتي دفعت الثمن. كان ثمنها على الغالب، بغض النظر عن عدد ما اشتريه، كرونتين تقريباً. وبعد ذلك تُغْلَقُ الدُكَـيْنَةُ وتأخذ جَدَّتي مِبْسَمَ سيجارتها من المنفضة ثانية. كانت الموزات خفيفات مثل لاشيء. كانت خفيفات بحيث أنني نسيت أن آكلها أحياناً.

كانت المنفضة أمام جَدَّتي، والتي كان مِبْسَمُها فيها، مصنوعة من فضة بيضاء لماعة كالمرآة. كان قعرها أسود اللون وكنت أتخيل أحياناً أن المنفضة مثل بحر أو بحيرة. سطح البحيرة لماع مثل مرآة، ولكن ما دون السطح عَتَمَةٌ لاغير. والنقوش على المنفضة كانت بالفعل من بحر أيضاً. كانت سمكات منتفخات سمينات وحصان مُجَنَّحٍ جَمَحَ من عباب أمواج مزبدة وعلى متنه رجل مُلْتَحٍ. ولو أغمضت عينيَّ وتحسست بأناملي لكدت أحس  وكأنهم أحياء.

كان لدى جَدَّتي منافض أخرى أيضاً. كانت أصغر ومصنوعة من معدن غريب أكمد. كانت كل منها ثقيلة إلى حَدٍّ كبير. وكي أرفعها كان عليَّ استخدام كلتا يديّ. كانت دائماً أكثر قتامة مما هي عليه لفعل رماد السجائر وكان في وسطها نقش صغير. وكان على إحدى المنافض نفس الحصان المُجَنَّحِ مثل ذلك الذي على المنفضة الكبيرة. إنما كان على معظمها ثمة حرف يبتديء أسمَ جَدَّتي وجدي وأسمي وأسمَ أمي. كنت أميز ذلك الحرف، لكنني لم أكن متأكداً منه.

طالما كان جدي على قيد الحياة كان الكبار يدخنون دائماً في بيت جَدَّتي وجدي. وكأنهم كانوا يدخنون لأنه ليس بينهم من يرغب في أن يَبَانَ عليه أن جدي يحتضر. ذات مرة، وعندما يكون أبي موجوداً، كان يتسنى لي الحصول على عود ثقاب أُطْفِئَ لتوه فأضعه بين شفتيَّ وطرف العود المحروق الذي مازالت تفوح الدخنة منه إلى الخارج. كنت أحس آنئذ وكأنما سيجارة صغيرة بين شفتيَّ. سيجارة صغيرة لصبيان صغار في الثالثة من عمرهم. كان في وسعي حشر عود الثقاب بين ثَنِيَتَيَّ العلويتين وبذلك أستطيع التكلم رغم أن العود بين شفتيّ.

ما أتذكره الآن ليس لأنني اعتدت أن أُكْثِرَ الحديث، إنما لأنه، وقتئذ، بدا وكأنما كان هنالك كثيرون غيري ممن لديهم ما يتحدثون عنه طويلاً. كان يطيب لي سماع صوت الكبار وهم يتحدثون. ليس أن أنصت إلى ما يقولونه، إنما سماع أن أصواتهم موجودة. كان في وسعي التقدم إلى النوافذ والنظر إلى رُبْوَةِ * المرصد تحت المطر أو جَمَدِ الثلج أو ما اتفق وجوده آنذاك، وبعد ذلك مجرد أقف هناك وأصيخ السمع لأصوات الكبار. كان الباب المؤدي إلى غرفة نوم جدي، حيث كان يجلس ويقرأ  أطراسه الفارغة، مفتوحاً قليلاً. من المحتمل أن جدي كان يحب سماع أصواتهم. من المحتمل أنه كان يطيب له أن يعرف أنهم موجودين.

كان المرء يشرب الشاي في بيت جَدَّتي دائماً. كان من عادتي الإقتراب من جَدَّتي وطلب سمكة شاي فتعطيني، بعد ذلك، ملعقة فوقها قطعة سكر غُمِرَتْ بالشاي الساخنة. كانت تلقي قطعة السكر في الكوب وتتركها لتتوارى في الشاي مع الحليب. ومن ثم تضع نظَّارتها على إحدى عينيها وتنظر باهتمام عبر طرف الكوب وتقول بينما تحرك الشاي بالملعقة:

- يا ترى هل ستعلق سمكة في الشِصِّ اليوم؟

وكانت تعلق سمكة في الشِصِّ على الفور تقريباً. كانت ترفع الملعقة وتسحب قطعة السكر المغمورة وتدعها تقطر قبل أن تطلب مني فتح فمي. كنت أحس بطعم قطعة السكر، وهي تنحلُّ على لساني، دافئة وبالشاي الذي يَسُحُّ منها حلواً ولذيذاً.

كانت تقول وقد أقصت الكوب من يدها:

- سمكة شاي !

حكت لي عجوز، في زمن لاحق، أن جَدَّتي كانت أول مُدَخِّنَةٍ التقت بها طيلة حياتها. ومن حكت لي هذا قالت إن الجميع كانوا يعتقدون أن منتهى الأناقة هو أن تدخن المرأة. عُجابٌ أن يتصور الإنسان ذلك. في هذا الزمن يدخن الجميع، رجالاً ونساءً، صبياناً وبناتاً. وبالمناسبة، في الوقت الحاضر  يُقِلُّ الناس من التدخين باطِّراد كما لو أن الزمن تَحَوَّلَ مرة ومن ثم تحَوَّلَ مرة أخرى. لكن جَدَّتي كانت غـُرَّةُ المُدَخِّنَات. وهذا أمر خارق أيضاً.

كانت رائحة كل المفروشات في شقة جَدَّتي دخان سجائر. كان في رأيي أن رائحتها طيبة. كانت المفروشات في بيت جَدَّتي ذات أُنْسٍ وتبعث الدفء في النفس بشكل ما. كان سهلاً عليَّ تسلق الأريكة ذات وسائد المساند المتميزة، والتي تشبه شيئاً بين زُحْلوقَة ماء وموجة متصلبة على سطح البحر، وكنت أجلس هناك وكأنني لست وحيداً.

لا أعني عندما كان الكبار موجودين، إنما عندما كنت فعلاً لوحدي. عندما كانت جَدَّتي تُعينُ جدي على النهوض لزيارة المرحاض مثلاً، أو تذهب إلى المطبخ لجلب شيء. وعندما كنت أجلس على الأريكة كان ذلك وكأنني لم أكن وحيداً إطلاقاً. وكأنما كانت الأريكة نديمي. كنت أجلس وأنظر إلى الكتب في المكتبات الداكنة في الطرف الآخر من الغرفة. كنت أنظر إلى جذر الشجرة الطويل، ذلك المنتصب على إحدى الطاولات الصغيرة، والذي كان يبدو مثل رجل  يَسْتَبْصِرُ في الريح. كنت أنظر إلى تلك القطعة الخشبية المتدلية على طرف إحدى المكتبات والتي كانت تشبه رأس كلب.

كانت تصويرة من الجبس معلقة فوق رأسي تُمَثِّلُ رجلاً وامرأة تحت شجرة فواكه. لابد أنهما آدم وحواء، كما أعتقد. إلا أنني آنذاك لم أفكر إلا في أنهما عاريين.  كانت المرأة تجلس على مقعد أو جذل نصف جلسة بينما هو ينحني بجذعه نحوها كما لو أنه سيأخذ منها شيئاً. لابد أنها كانت التفاحة. بعد ذلك، عندما عادت جَدَّتي، سألتني إن كنت سئماً.

كان هنالك قسم تحرير لمجلة أطفال في الغرفتين المقابلتين، في البهو، عند مدخل الشقة. ومن هناك كنَّ مدخنات أيضاً. كانت العاملات هناك نساء فقط وكنَّ يدخنَّ كلهن. اعتقدت لفترة أن من الواجب ألاَّ يدخن المرء في قسم تحرير مجلة أطفال. ولكنني، فيما بعد، بدأت الإعتقاد أن هذا لا يمكن الجزم به. وكانت السيدات اللاتي يعملن في المجله يأتين ويشربن الشاي مع جَدَّتي أحياناً أيضاً. وكان من عادتهن آنئذ إحضار مجلة لي. كنت أتصفحها قليلاً، لكنها، في رأيي، كانت كثيرة الكلام قليلة الصور.

 كان أبي وشقيقه، وهما أطفالاً، يسكنان في نفس الغرفة حيث لدى السيدات قسم تحرير المجلة. وبصورة ما كنت أعتقد دائماً أنها ماتزال غرفتهما. وكأنما من تعملن في تحرير المجلة كنَّ هناك بشكل مؤقت لا غير. تقريباً مثلما تقول زائرة إنها ستبقى هنيهة وتجلس على حافة الكرسي وكأنها على أهبة للنهوض طيلة الوقت.  وأتمنى لو يتصرف كل الكبار على هذا النحو عندما يكونون في غرفة أطفال: أن يكونوا على أهبة لمغادرة الغرفة عندما تقتضي الحاجة.

كان في مطبخ جَدَّتي مجلى رخامياً أبيض كالجليد. ولم يكن المرء بحاجة أن يضع كأساً إلا هنيهة على ذلك المجلى ليصبح ما فيه بارداً كلياً. درجتُ على تحسس لوح الرخام بأناملي. كان شعوري وكأنما ألمس شيئاً أكبر من أيما شيء يتسنى له أن يكون. فكرت، ذات مرة، أن لوح الرخام مثل شيء يَحْلُـمُ  به الحليبُ. وكنت لا أعرف حتى ما الذي أعنيه بهذا. لكنني عندما كنت أصغر سناً كنت، بين الحين والآخر، أعيد ترتيب التفكير بالأشياء والأمور بهذه الطريقة. كثيراً ما قَدَّرتُ أن كل شيء كان شيئاً آخر. كثيراً ما حَسِبْتُ  أنه من المحتمل أن يكون كل شيء، على أقل تقدير، شيئاً آخر. كان كل شيء يُبْطِنُ أحلامه الخاصة. لم يكن المرء بحاجة أن يراها، كُلَّ الأحلامِ تحملُها الأمورُ والأشياءُ في طَيَّاتِهَا. إنما لو تَبَصَّرَهُا المرء لاتَّسَعَ العالم أُنملةً.

بهذا لا أفكر فقط، إن كنت أفكر على الإطلاق، في مثل أن  لديَّ حانوت بيع خبز في القسم السفلي من فرن جَدَّتي. كما لا أفكر في أنه لديّ على تلك السجادة الصغيرة، أمام المدفأة الحجرية في غرفة الطعام، كلب نائم دائماً. مثل هذه الأشياء مجرد ألعاب يختلقها الأطفال. إنما أفكر بالضبط في مثل ذلك الجذر الذي كان ينتصب على إحدى طاولات الأرائك الصغيرة في غرفة الجلوس. لقد تَقَمَّصَ صورة رجل نحيل يقف مستبصراً في الريح. طبعاً كان هنالك من ساعده على ذلك، مسحه ولَمَّعَه قليلاً. إلا أن جذر الشجرة ذاته حَلِمَ بأنه كان ذلك الرجل.

دأب أبي على أن يرفع جذر الشجرة ذلك ويمسك به أمامي. كان يجلس على متكأ قرب الأريكة ولديه كتاب وكوب شاي. وكان يدخن هو أيضاً. في ذلك الزمن كان الكل تقريباً يدخن. أما الآن يكاد ألا يكون هناك مدخن. تسللت إلى حُجْرِ أبي ونظرت من فوق كتفه نحو ربوة المرصد. تحتها، في منتصف شارع (أودنغاتان Odengatan)، تقوم ثلاثة بنايات متماثلة تقريباً إلاَّ أنها تتميز عن بعضها بعضاً. كانت البنايات مربعة مثل علب أحذية وكان شقيق أبي يَدَّعي بأنه يعرف قِلَّةً يعملون هناك.

تساءلت وأشرت نحو مبنى القُبَّةِ الصغير فوق الرَبْوَةِ:

- وذلك المبنى ؟

قال أبي:

- ذلك هو المرصد، من هناك يراقبون النجوم والكواكب والنيازك.

سألت:

- ماهو النَيْزَكْ؟

قال أبي:

- نجوم تخر من السماء.

بعد ذلك مطَّ أبي جسمه وأحضر جذر الشجرة من فوق طاولة الأريكة الصغيرة.

سأل أبي:

- هل تعرفه؟

أومأت برأسي.

قال أبي:

- لقد رقد في التراب طويلاً تحت شجرة.

تساءلت:

- مثل شخص ميت.

قال أبي:

- ليس تماماً كما تقول، إنما مثل من لم يعش إطلاقاً.

نظرت إلى التمثال الخشبي. كان ذو أنف دقيق مدبب وطويل ويأفوخه عريض مسطح بشكل غريب. كان يقف وعضديه لِصْقَ طرفيه ويداه خلف ظهره. كانت عيناه نصف مغمضتين ينظر حالماً إلى الأرض، وكأنما يتوق إلى التراب ثانية. كانت لديه نفس تلك النظرة الساهمة قليلاً والتي كانت لدى جدي عندما كان يقرأ في جرائده البيضاء وأوراقه غير المكتوبة.

قال أبي:

- إنه وحيد. يكاد ألا يعرف أحداً. أعتقد أنه يودُّ منك شيئاً. هل يسعه أن يطلب ذلك؟

أومأت برأسي. جعل أبي رأس التمثال الخشبي قرب أذنه وكأنه ينصت إلى شيء يقوله الرجل. بعد ذلك أومأ برأسه وكأنما فهم ما يود الرجل أن يطلب مني.

التفتَ أبي إليّ وتساءل:

- ليس لديه صديق حقٌّ. هل تعتقد أنك ترغب في أن تكون صديقه؟

أومأت برأسي.

- لكن لايجوز لك أن تنساه.

هززت برأسي مؤكداً. بعد ذلك أعاد أبي التمثال الخشبي إلى الطاولة وقال شيئاً لأحد الكبار الآخرين. أعادني أبي ثانية إلى الأرض، أشار باصبعه  نحو الرجل الخشبي النحيل الطويل مخاطباً:

- تَذكَّرْه أحياناً. لا تنسى صديقك.

بعد ذلك عاد أبي إلى التحدث مع الكبار ثانية. نظرت إلى الرجل الخشبي وفكرت: عليَّ  ألا أنساه أبداً. فكرت: إنه يبدو أكثر سروراً بعض الشيء. لكنه مازال يحملق في الأرض. إنه يَقُرُّ، فكرت والتفت إلى جَدَّتي لأقول ذلك. لكن كرسي جَدَّتي كان شاغراً فتلفتُّ حولي في الغرفة أبحث عنها.

قالت أمي:

- الجدة لدى الجد. إبْقَ أنت هنا!

لكنني عصيتُ قولها ودخلتُ على جدي غرفة مرضه. كانت جَدَّتي تجلس على حافة سرير جدي ممسكة بيده. سحلت بعض أوراق بيضاء من على السرير واستقرت على أرضية الغرفة. كان جدي يتنفس بثقل وبشكل غريب. تقدمتُ والتقطتُ الأوراق وقدمتها إلى جَدَّتي. أخذتْ الأوراق ونظرت إلي.

 همستْ:

- شكراً.

ورغم شكرها لم أكن واثقاً أنها رأتني. كانت وكأنما شَطَّرّتْ ببصرها ناظرة داخل جزء محجوب من الغرفة. لربما كان جزءاً مكتظاً بالأطياف بحيث يتسنى للمرء أن يقرأ هناك ما كان في أوراق جدي غير المكتوبة. كانت يدها التي مسحت بها على رأسي باردة ناشفة. كانت تترقرق دموع في عينيها.