|
|
|
انتظار
بين المحطات
الفصل الأول
ويستقر
رأي الشيخ، أخيراً، على ذلك بعد أن يُشْعِرَ
ذاته بتحسن صحته، دون أن يُعْلِمَ أحداً ممن
حوله، في المستشفى، الذي نُقِلَ إليه في
حالة إسعاف منذ أسبوع بالضبط. وعندما يستقر
رأيه على ما بَيَّتَهُ في داخله، يود لو أنه
يبوح، على الأقل، بسره إلى ممرضته السويدية،
(جرترود)، النَصَف، التي تعنى به خلال دوامها
بشكل دائم. إنه يشعر أن ( جِرْتْرود ) ليست
غريبة كلياً. إنه يعرفها مذ أجريت له عملية
جراحية سابقاً ومنذ خمس سنين بالضبط.
ويصادفها، الآن مرة أخرى، ويحس بوجودها
وكأنه ليس غريباً تماماً عما يعايشه.
( جِرْتْرود )
تتذكره جيداً وتتذكر دقائق معاناته. ويتذكر
الشيخ ما يحب من طبعها ولا ينسى توصياتها
الكثيرة والتي لا تخلو، أحياناً، من مُزاح
ومداعبة ملغوزة وهي تغمز بطرف عينها الزرقاء.
وتداعبه الآن موصية بابتسامتها المعهودة: - والآن
عليك أيضاً أن تكبح تدفق دم الشباب مدة،
فمنظم دقات القلب الـ(
البَيسْمايكر Pacemaker
) لا مُزاح معه! -
سأحاول
أن أكبح دم الشباب الذي يهطر لرؤيتك ريثما
يعتدل أمر النبض. أما بعد ذلك فهو منوط
بالحال التي تظهرين بها عليَّ. ويتضاحكان.
كلٌّ منهما حسب ما يضمره: هو لما جزم، في سره،
على تنفيذه؛ وهي لربما استجابة لدفقة لا
تتعدى أصول مهنتها نحو مريض لا يزال الخطر
يتربص به بغدر متحيناً فرصة. فمن الممكن أن
يلفظ قلبه الـ ( البَيسْمايكر ) في كل لحظة. هي
تعرف هذه الحقيقة المحتملة وتتخذ مع فريق
مختص
كل الاحتياطات اللازمة. وهو يعلم هذه
الحقيقة المحتملة ويلجأ إلى وسيلته
المعهودة وقد عقد العزم على تنفيذ السرِّ
الذي يضبط دقائقه الأخيرة مخططاً لتنفيذه
وقد أحس، مذ دخل المستشفى، بحاجة لا يتسنى له
رَدَّها بعد، كما لا يريد أن يبحث عن سرها. ويلجأ
إلى وسيلته التي ابتكرها وهي ملاذه خلال ما
ينوف على ربع قرن ومذ ودع هدى. إنه يوقن ويقر
لنفسه، أن وسيلته ناجعة يشاغل بها، كل مرة،
ما يحل به من خطر مؤقت. ويعرف يقيناً أن
وسيلته ليست فريدة كما هي ليست مقصورة عليه،
لكنه خَبِرَ أنها تنجيه وقت الشدائد. ويعرف
أنها سهلة وعملية، يخاتل بها ما يحل به من
أزمات بأن يشاغل الأزمة بالتفكير في أمر لا
يمت إلى خوفه الوقتي بصلة. ويعرف، الآن، أنه
يخاتل ما يحل به بأن يشاغل نفسه بشيء آخر
لربما كانت له صلة بخوفه. ويعرف، الآن، أنه
يخاتل ويراوغ موتاً محتملاً بأن يخطط ويفكر
في لقاء بات لا بد منه، لقاء هدى. أما أنه
يشعر بحاجة أن يشارك ( جِرْتْرود ) سره فهذا
يخاتله أيضاً بأن يحرر ما يتأجج في داخله من
ذكريات هدى. يشعر أنه يود لو يقول لـ (جِرْتْرود)
أن هدى ما زالت تنتظره صبية مذ خَلَّفَها
هناك على رصيف محطة القطار في حلب. يود أن
يحكي لـ (جِرْتْرود) أن هدى ما تزال صبية في
عز شبابها، تماماً، كما فارقها: عذراء،
ممشوقة القوام، هيفاء، دقيقة الخصر، نهداء،
معتدلة
الكفل يزيد من حسنها عينان سوداوان مرموشتان
بأثيل الهدب، وشعرها الأسود الفاحم يفترش
كتفين غير مكتنزين ويتفجر من ثغرها حلو
الطَّلِّ تحت أنف دقيق. ويود أن يفصح لـ (جِرْتْرود)
أن هدى، معشوقته، هي سر الخالق في بديع صنعه
على وجه البسيطة لا يمكن أن يظهر إلا لمن
أصابه غرامها. ويريد بإلحاح داخلي أن
يُبَيِّنَ لـ (جِرْتْرود) سر هواه الفطري أن
ليس هنالك مخلوق عرف هدى دون أن يهيم في
هواها. ويتمنى لو يقول لـ (جِرْتْرود) إن هدى
مثل آلهة الأساطير لا ترحم في عشقها فمن
صادفها امتلكه سحرها ولا ملاذ له من عذاب
حبها في فراقها. ولو تسنى له أن يوصل هذا كله
لـ (جِرْتْرود) فهو على يقين أنها ستحس مثله،
وهو يحدثها، بقُشَيْعَريرةِ نسمة
صيفية جسَّت بدناً أسكره توحد مع هدى فنقرت
دفوفها ترقى بهما إلى سماوات يُحَلّي علقمَ
الصدِّ منها ذِكرًٌ صوفي يسعى بهما في شعاب
جنة عشق حلال. وهو
في خضم ما يود قوله لـ (جِرْتْرود) عن هدى
وذكريات أسحاره حيث كان ينعم بحضرتها يحجم
كلياً، فجأة، وتكبت رغبته الملحة، وتأسر
النسمة بدنه وتتملك جسده رجفة عاشق ظفر
بمعشوقته في خلوة حميمية. لربما لا يريد
للذكريات أن تُقَيَّدَ بكلمات منطوقة أو
مخطوطة كيلا تفقد حريتها اللامحدودة. ولربما
يريد أن يَأْثِرَ نفسه فقط على سِرَّ هواها
خشية أن تفقد الذكريات سحرها الصوفي. الذكرى
لديه صمت وصمت دائم ولواعج مضنية يهدهدها
قلبه المرهق بعشق طال أمده. ويغفو
معانقاً أحلامه على فراش مستشفى كارولينسكا Karolinska
وقد رُبِطَتْ إلى صدره
وأطرافه أشرطة ذات ألوان متباينة فبدا
لناظره ( كترانزستورات) التحفت جلد إنسان.
وتغفو أيضاً رغبته الملحة على أن يشارك (
جِرْتْرود ) سره ممنياً النفس أن تمضي الأربع
وعشرون ساعة المتبقية من مهلة احتمالية لقاء
موت يخشى تلبية طلبه قبل أن يحظى بقران هدى.
ويصر الشيخ على أن المهلة ستمر بسلام بكل
تأكيد فالذي تَمَلَّكَ قلبَه عشقُ هدى لا
يحضره موت دون لقائها. ويصر
الآن على أن ينفذ شراء هدايا حرص على
تسجيلها، في أوقات مختلفة، على ورقة بدأ
الزمن يأتي على أطرافها لكثرة تقليبها كلما
نزلت به فورة شوق. إنه يكاد أن يتذكر من أي
مطبعة حصل على الورقة كما يكاد أن يتذكر هيئة
صاحب المطبعة وكيف كان ينزل إليه، في قبو،
على درجات
تكسرت حافاتها حيث تعبق رائحة حبر لذيذة في
أنفه. وهو يكاد يتذكر ذلك تهدر مراجل المطبعة
في أذنيه وتظهر له صورة صاحب المطبعة
تستقبله وقد زينت شاربيه ضحكته المعهودة،
لدى لقائه، دون أن يأتي ربع القرن على هيئته
بشيء. ويخبر صاحب المطبعة أن أوراقه لم تذهب
سدى وأن إحداها غدت قائمة هدايا هدى وأنه
يصر، الآن، على ابتياعها كي يعود إلى هدى.
وكأنما يسمع صاحب المطبعة يرد عليه: -
إنك وفي كعهدي بك. ويسمع
أيضاً ذاته ترد على صاحب المطبعة: -
وأنَّى،
يا عم، لمن غرم بهدى أن ينكل لها وعداً
!
2 ينظر
إلى المرآة، في شقته ذات الغرفة الواحدة،
وهو يلف على قميصه ربطة العنق، التي يحتفظ
بها منذ أمد بعيد، وكأنما تظهر عليه هدى، دون
وعيه، متى شاء لها أن تزين عنقه. إنه يتذكر
أنها من محلات ( آردو ) في حلب ويتراءى له أن
هدى بصحبته تختارها له. ويتخيل ذلك مرة أخرى
كما كان يفعل على مر السنين حتى بات ذلك
يقيناً لا يمحص في صحته: إنها حمراء قانية
ذات رقط مربعة خضراء قاتمة. يكاد يتراءى له
أن هدى اختارتها لغرض في نفسها ولم تبح به
آنذاك إنما يبدو له الآن واضحاً وهو في صدد
تنفيذ وعد اللقاء بها ثانية. يكاد أن يجزم
أنها قالت، وقتئذ، " أختارها نقشة
اسكوتلندية غريبة عما تألفه". وإنه ليكاد
أن يجزم، وقد بدت الحقيقة واضحة لديه، أنها
قالت مفسرة: -
" اسكوتلندية غير
مألوفة كيلا تتعود على فراقي وتذوب في بحر
الغريب وتنساني". وليكاد
أن يجزم أن هدى ربطتها، أول مرة، على قميصه،
فينتابه شعور لذيذ مخدر وكأنما ظاهر أنامل
هدى تخطئ عمداً لتصيب ملمساً من رقبته. ويغض
النظر عن المرآة لتمتزج روحه مع حس يستحضره،
متى شاء، وهو في حضرة هدى، وليعيش وهلة
متمرغاً في أحضان أحلام مخملية ينعم بدفء
هدى ويتمتع بسحر مفارقها. ويؤكد لنفسه أن هدى
ما تزال بانتظاره وهي التي لم تنكل وعداً
وهما سوية قبل أن
يعاقب نفسه، كما تبين له، بفراقها. وحتماً لن
تنكل وعداً قطعته على نفسها، آنئذ، وهو
يودعها على رصيف محطة القطار لينقله إلى
منفى طوعي. وتفوح، وقتئذ، ولتوها رائحة ذكرى
وتتراقص بعيداً، في وضح النهار، هَلجََُ
ظلال، وهو يقف حائراً أمام المجهول على رصيف
المحطة، وحيداً، دون أن يلحق به مودع وقد
حلَّت فيه طفرة خوف أنه لا محال مضيعٌ هدى،
وتمنى آنذاك من يثنيه عن فراقها. لكنه يقف
هناك مقدماً قرابين طقوس عشق وكأنما فقد
سيطرة على كل إرادة حتى مخاتلة خوف المجهول.
العشاق يحضن بعضهم بعضاً، يبثون بعضهم آهات
ولواعج مُقَدَّمَاً، وتذرف عيونهم دموع شوق
يستبق الفراق. ويتوقف الزمن شامتاً لوهلة
يطيل العذاب. ويقف هو حائراً وتقف هدى
قبالته، كعهدها، صامتة ساكنة تنزل عند كل
رغباته دونما أي احتجاج تطويه في غياهب
نفسها. وتنتابه رغبة أن يميل بجذعه على
قوامها المربوع يقبل فمها (المقرمز) بحمى
فراقه؛ يحتضن جسدَها المحرور؛ يمسح على وجهه
بوجناتها ويَمْتَزُّ رذيذات خَطَّتْ شفتيها.
ويقف الزمن شامتاً يراقبه وهو يقف مصارعاً
متردداً بين وداع خياري وتوديع قسري. وتنتهي
الجولة لصالح الزمن مسبقاً، لكنه يغلظ لها
الأيمان قائلاً: -
إنني، يا هدى، غيرُ مفارقٍ لك
بل في بداية رحلة العودة إليك محملاً بما
خفَّ حمله وغلا قدره. وهذا، يا حبيبتي، يا
هُدايَ، كله من أجل عينيك! وتردِّدُ
على صفحة خاطره ويسمعه كأنما للمرة الأولى: -
أوثر
أن تكونَ بقربي، خاصة الآن، على أن تحمل
إليَّ كنوز سليمان
!أحس أيامي حبلى بما لا يطيب
ذكره ... لن أردد، يا حبيبي، لا، لن أقف عائقاً
بينك وبين الذكريات التي ستغدو أياماً
وأحلاماً ... سأصمت ... لن أكلِّم، بعد اليوم،
حتى ذاتي ... صمتي قربان عَوْدك .. وتبلل
دموع فراق حرى وجنتيها حتى تنقط على صدرها
ليُغَيِّـبَها غَور نهديها العامرين، ولا
يريد رؤيتها كيلا تنفذ إلى قلبه وتؤكد قلقه.
وعندما تدرك هدى أن ما يجري لا محال منه تفلت
قبضتها عن ذراعه الأيمن تحرره كيلا تجعل من
وداعهما مأساة أكثر ألماً مما يقسرها على
احتماله واقع لا ترى له رداً. ويحس
بـ (البيسمايكر) ينظم نبضه فيفتح عينيه لينظر
إلى مرآة المدخل الضيق ثانية: ربطة العنق
مشدودة على عنقه بإحكام. عندئذ يخلو إلى
إيمانه أن هدى، هناك، ما تزال تنتظره وهو
يعود إليها محملاً بأخف الأحمال وأغلاها
ثمناً زيادة على هدايا يوزعها على من هم
حولها ربما ضريبة تكفير عن رحيل واستباقاً
لما يمكن أن يُنْتَظَرَ منه. وعندما يفرغ من
تنفيذ الطقس ستقف هدى، جانباً، عازفة عما
يوزعه، تنتظر خلوة به. وسيقف كلّ منهما أمام
الآخر، وقد انفض الجمع عنهما غانماً،
كعاشقين يرتجف قلباهما لخلوة عذرية وعندئذ
سيكتم عنها أمر الـ ( البَيسْمايكر )،
وسيخاتل، كعادته، الخطر لينعم بوجودها
أخيراً. وعندما يخلو بعضُهما إلى بعضهما
الآخر سيحل عقدة العنق قليلاً
يُسَهِّلُ بذلك تدفق الدم المتلاطم في
شرايينه من شبق لحوح إلى أحضانها ومفارقها
ونهديها، وسيقف عدلاً، قوياً لا علة فيه
وكأنما رحلة العودة تلك كانت بالأمس حتى أن
هدى لن تشعر بأي فارق بل وكأنما العقود
الثلاثة كانت كابوساً مزعجاً جلاه صبح مشرق
وأن ترهل جسده وشيب فوديه وقلة شعره إن هذا
إلا صورة ظليلية فشل مصورها في إظهار أصلها.
وسيخاطب نفسه، عندئذ، احتياطاً لكل افتراض: -
إن هدى أرفع من أن تنظر إلى
الأمور من جانب مادي وهي التي خلصت إليها
معنويات الدنيا. وسيعقب
مؤكداً لنفسه: -
إن
هدى تحفل بمردود الأمور. وسيردد
على مسمع من ذاته يخاطب هدى: -
أليس
كذلك، يا هدى؟ وسيسمعها
تجيبه: -
إنكَ،
بالنسبة إليَّ، ما تحمله في طياتك وليس على
ظهرك. وتشوب
وجهها حمرة تجعلها تُتَأتئ، وبسمتها
المألوفة سترتعش على شفتيها وهي تسأل السؤال.
وسيجيب عن آخر أسئلتها: -
بلى،
يا هدى، ما زلت عزباً ! ولن
ينسى أن يستذكرها عقد قرانهما وهما طفلان
يلعبان في صحن الدار بعيداً عن الأنظار تحت
عريشة ياسمين: -
أَلم
نعقد قراننا منذ أمد هناك تحت الياسمينة؟ وستجيبه
بحياء فطري: -
ما
زلت أذكر عقد قراننا ونحن صغاراً تحت شجرة
الياسمين، لكن ماذا عن حاضرنا وقد عدت؟ وسيجيبها
وقد قلَّصَ عضلات بطنه: -
ها
أنا ذا أتِمُّ رحلة العودة إليكِ لأُسكنَ
وجهي سفح صدرك أنقب عن كنوز العشق تحت زغب
نهديك وأحيي الفؤاد بعبق نِسرينتيك وألأمَ
تشقق روحي من نبع حَلَمَتَيْكِ. وستوضح
ذاتها وكأنما أَثِمَت لسؤالها: -
خشيت
أنك قد وقعت في غرام غيري؟ ويتردد
صوته الحقيقي فعلاً في مدخل شقته، ذات
الغرفة الواحدة، سائلاً: -
وهل
هنالك من وقع في غرامك غيري؟ -
كثير
من أغرم وتقدم إلى والدي يطلب الزواج مني،
لكنني لم أشأ أن أقرن بغيرك. غيرك مسحته من
معجم حياتي وعزمت على الرفض أبداً. وإن
أُقْحِمَ غيركَ في حياتي فإنني قررت أن
روحينا نواة مشطورة لا تكتمل إلا بعودتك. ولا
ينظر هذه المرة، كما درج على فعله خلال غربته
الطويلة، باحثاً عن صاحبة الصوت. لقد عهد
الصوت يتردد في شقته الصغيرة وقَبِلَ وجوده
دون عناء بحث عن مصدره. إنه صوت هدى ويعرفه
تماماً يحضرُ إليه متى شاء ويَحْتَلِمُهُ
كلما تأججت الذكرى وعرم شوقه وضاق قلبه
المعلول بهما.
|