كان
في وسع زوجتي
سعاد أن تكون
أكثر انسانية
ومنطقية
تجاهي أنا
الذي وطدت
العزم على
تقليم وترفيع
ما جاءت به
إلى بيتي من
فكر حشته في
رأسها من بيت
والديها. كما
كان في وسعها
أن تعترف
بالجميل الذي
أديته لها
ولأسرتها
التي حطت
السويد منذ
سنين طويلة.
لم
أكن أعرف
سعاد قبل
زواجنا، انما
تسنت لي
الفرصة أثناء
احتفال وطني
قامت به
الجالية كنت
فيه أحد
المدعوين. في
الحقيقة لم
أرغب في أن
أكون نجم
الحفل كما لم
أجهد أن
أبرز فيه،
إلا أن
الواقع
والمنطق
حتَّما عليَّ
أن ألقي كلمة
أعددتها
بعناية. لم
يطلب مني أحد
أن ألقيها
لكنني وجدت
إلحاحاً
داخلياً،
قلما يخطيء،
أن أبين ما
وجدته
مناسباً
آنذاك من أجل
صالح الجالية
والوطن بلا
مبالغة.
لما
فرغت من
كلمتي التي
بيَّنت فيها
بدقة متناهية
- عهدت نفسي
بها- وتمحيص
دقيق - لولع في
الدقة - لواقع
لايروق لي
تعيشه
الجالية؛
أراد بعضهم،
حسداً، أن
يتجاهل ما
أسلفته ولم
يصفق اعجاباً.
أما سعاد،
التي حتماً
أعجبت بما
أدليت، فقد
كانت من جملة
مصفقين
قلائل،
والصفوة
قليلة عامة!
جذب نظري،
وأنا لاأزال
على دكة
الخطابة،
جمالها الذي
ينفرد عن
اللواتي حضرن
بصحبة
أزواجهن أو
أسرهن. كانت
طويلة القامة
ممشوقتها
يزيد من
حلاوتها
الشرقية خالٌ
على صفحة خد
ذكرني ببيت
شعر نسيت من
قاله كما
نسيت بيت
الشعر لما
حلَّ بي من
ارتباك.
إنني
لاأدعي
الكمال،
أستغفر الله
فالكمال للـه!
كما لا أدعي
الثقافة
العالية
وجودة في
اللغة يحسدني
عليها رفاق
العمل
السويديين
عندما
أحاججهم بها،
لكنني لا
أغمط نفسي
حقها في أن
تفخر بما
جمعته خلال
السنين
الطويلة، أنا
الذي بلغت
السادسة
والثلاثين
دون أن أعثر
على نصفي
الآخر بالرغم
من محاولات
عديدة كانت
الفتيات
تشعرن فيها
بالغيرة مني
وترحلن دون
أن أندم،
أنا، على شيء.
أما سعاد،
الفتاة التي
لم تناهز
السادسة
والعشرين،
فقد كانت
معجبة
بثقافتي
العالية
ووسامتي
المتميزة.
لذا لم يكن من
العسير عليَّ
أن أزورهم
فيما بعد
لتتم خطبتنا.
وكعهدي في
حكمتي لم
أترك للزمن
مجالاً أن
يخلق بيننا
سوء فهم.
تزوجنا بعد
الخطبة التي
دامت شهرين
برمتهما
وأقمت حفلاً
رائعاً سهرتُ
وتابعتُ
تفاصيله
العريضة
والدقيقة حتى
قبل الزفاف
بساعة.
وكي
أثبت حرصي
ودقتي على أن
يكون الحفل
من غرة حفلات
الجالية
ونكاية بمن
حاول أن يثني
عزم سعاد عن
الزواج مني؛
أرغمت شقيقها
الذي فَضَّل
أن يزين
سيارته
بشرائط بيضاء
على أن
يبدلها إلى
صفراء وزرقاء
إسوة بالعلم
السويدي ومن "يأكل
خبز السلطان
يضرب بسيفه".
كانت سعاد
التي تجلس
إلى جانبي،
في المقعد
الخلفي، بعد
أن فرغت من
ربط الشرائط
حزينة. وكي
أبين لها
حرصي على
سرورها قلت
لها:
-
لابد أنك
حزينة لأنك
ستغادرين بيت
أسرتك !
لكنني، وملت
عليها
أُقَـبِّلُها
بعد أن أحكمت
حزام الأمان
على وسطي،
سأجعل بيتي
يضاهي بيت
أسرتك!
لاأذكر
ماذا أجابتني
في ذلك الحين
وهي تجلس إلى
جانبي في
السيارة التي
حرصت على ألا
يرافقنا فيها
أحد سوى
شقيقها الذي
يسوق كي تنعم
سعاد بوجودي،
إلا أنها
الآن وقد
لجأت إلى بيت
النساء
السويدي تطلب
منهم العون
على طلاقها
مني، فان ذلك
خارق عن
العادة
والمنطق الذي
اشتهرتُ به.
بالرغم
من أن زواجنا
لم يتم الستة
أشهر من عمره
فإنني،
كعادتي
لاأباهي بما
قمت به تجاه
سعاد:
أعطيتها قلبي
وحرصت على أن
أسكب فيها كل
خبراتي التي
لايستهان بها
!
اسمع
! مثلاً: عندما
شعرتُ، أنا،
أن سعاد
متعبة في
تمام الحادية
عشرة
والثانية
والعشرين
دقيقة أثناء
حفلة زفافنا،
التي كلفتني
مبلغاً لا
يستهان به،
تقدمت إلى
أحد أفراد
أسرتها وكان
آنئذ ممسكاً
بالميكروفون
يغني وأخذته
منه لأعلن
علىالحاضرين:
-
أعزائي
المهنئين
والمهنئات !
عمتم مساءً
وتصبحون على
خير! إن
سَعادتي،
أعني سُعادي،
متعبة وحرصاً
مني على
راحتها أنهي
الحفل الآن!
شعرت
في داخلي،
آنئذ، أنني
كنت
مُخْتَصِراً
مُفيداً، ولم
أحفل لدمدمة
سرت في
الصالة. ولما
حاولت حماتي
أن تبين لي أن
الأصول غير
ذلك أجبتها
ناصحاً:
-
انك ياحماتي
لم تقيمي في
السويد
كثيراً
لتقدري ما هو
الأصول !
كذلك
جعلت جوابي
لها
مُخْتَصَراً
مفيداً. لذلك
اختصرت حماتي
الحديث
ولملمت ما
حملته من
هدايا، لاأسف
عليها،
وغادرت مع
أفراد أسرتها
ومدعويها
وفَرِغَت
الصالة من
المحتفلين.
وكما بدا لي،
آنئذ، أن
والد سعاد
كان متفهماً
لما قلت مما
جعلني أن
أغبط نفسي
متمتماً: "
لايفهم
الرجال إلا
الرجال" !
والد
سعاد لم يفه
بحرف واحد،
أما ابنه فهو
غِرٌّ صغير
وكان محتماً
أن أحتمل
ثورته غير
المعللة إلا
بعمره الغض.
أما
أن تلجأ
زوجتي إلى
بيت النسوة
السويدي فهو
أمر لايقبل
به منطق
واقعي خاصة
وأني لم
ألاحظ عليها
أية نية في أن
تغادر البيت
وهي التي
حَضَّرَت
علبة غدائي،
حسب طلبي،
مما تبقى من
عشاء البارحة.
غادرتُ
البيت صباحاً
بعد أن نقرت
على باب
الحمام
أعلمها أنني
في طريقي إلى
العمل. لم
تجبني لأنها
ربما كانت
على المرحاض.
*
إن
من العادات
الجديدة التي
أدخلتها سعاد
على حياتي
بعد زواجي
بشهرين أن
تكتب على
وريقات
تثبتها بقطعة
مغنطيس صغيرة
على باب
بَرَّادي ما
تريد أن
أشتريه من
لوازم البيت،
أنا الحريص
على ألاّ
أتعبها في
الخروج معي
إلى السوق
نتبضع حاجات
البيت. إنني
في الحقيقة
أريد لها
راحة الدنيا
وسعادتها دون
أن أحفل مثل
غيري من
الرجال الذين
يدعون
زوجاتهم
يكدحن طيلة
النهار في
عمل ما.
وعندما أرادت
أن تشرح لي أن
عملها، الذي
أقنعتُها في
أن تتركه
كيلا تتعب،
رددت عليها
بقبلة طويلة
وحقيقية من
قبلاتي
الخاصة:
-
إنني أقدر
حرصك على دخل
بيتي الشهري،
ولكنني سأعمل
عملاً
اضافياً كي
أعوضه بأكثر!
إنها
لم تدفعني
عنها، آنئذ،
انما كي
تتابع
ماأرادت أن
تقوله.
ولخصلة رائعة
في شخصيتي:
طول البال
وبَتُّ
الأمور
حَرَّرتُها
من ذراعيّ.
قالت
آنئذ بعد أن
تراجعت
قليلاً كي
تراني بشكل
أفضل، طبعاً:
-
إن عملي ليس
من أجل الدخل
فقط. إنه
تمضية للوقت
أيضاً عندما
يذهب الآخرون
إلى أعمالهم !
وكذلك
لخصلة ممتازة
في شخصي:
الاستماع
والرجوع إلى
رأيي الخاص،
لم أجبها
ودون أن
أُقَبِّلَها
في هذه
المرة، ودون
أن أدع الغضب
يظهرعلى وجهي
لمعارضتها لي
على سعيي
الدائب من
أجل راحتها؛
استدرت
وغادرت البيت
لأرجع إليها،
بعد ساعتين،
برزمة مجلات
وصحف وقعتُ
عليها بسعر
معقول جداً.
قلت:
-
لك هذا تمضين
به الوقت حسب
هواك. تثقفي،
تعلَّمي
واخلعي عنك
ماجئت به !
لم
تحتج أو تقل
شيئاً آنئذ !
أما
أن تلجأ إلى
بيت النسوة
السويدي فهو
أمر لايقبله
منطق واقعي
خاصة وأنني
لم ألاحظ
عليها أية
نية في أن
تغادر البيت
وهي التي
حَضَّرَتْ
علبة
غدائي،حسب
طلبي، مما
تبقى من عشاء
البارحة.
**
عندما
عدت من عملي
الاضافي في
تمام الساعة
التاسعة مساء
لم أرها، كما
عودتُها،
جالسة إلى
الطاولة وأن
يكون طعامي
ساخناً
لنتناوله
سوية. كان ضوء
المطبخ الذي
ينير عادة
ردهة المدخل
مطفأً. ولم
تبلغني أية
أغنية من
أغاني فريد
الأطرش أو أم
كلثوم
المحببة لي.
استقبلني صمت
الشقة عوضاً
عنها. وكخصلة
أخرى حميدة
في شخصي أن
أفسر الأمور
إيجابياً
تغلبت على
تسارع ضربات
قلبي وهتفت
في داخلي:
-
لابد أن
العادة
الشهرية ما
جعلها تنام
وتغفو وتسهو
عن موعد
حضوري وتحضير
عشائي وتهييء
نفسَها
لاستقبالي
بأغنية فريد
الأطرش "أنا
وأنت والحب
تالتنا".
أُسِرُّ
إليك:
لم أكن أعرف
أن بعض
النساء
تحضرهن
العادة
الشهرية أكثر
من مرة في
الشهر الواحد
وتنمن كثيراً.
إن سعادي من
ذلك النوع
وتنام كثيراً
وتأبى أن
تصحو عندما
أناجيها !
ولما
كبست على زر
الضوء على
الحائط
المقابل
للبراد
صفعتني مذكرة
كتبتها على
خلف إحدى
الدعايات
الكبيرة على
خلاف عادتها
في أن تكتب
على أوراق
خاصة صغيرة:
لقد ذهبتُ
إلى (بيت
النساء (Kvinno Huset
. لاتورط
أسرتي في هذا
الأمر فليس
لهم علاقة
البتة !
أُسِرُّك
ثانية: طبعاً
ثار غضبي من
مذكرتها،
ولكن إشارة
النداء تلك
التي خططتها
لتكون أكبر
من الكلمات
وباللون
الأسود
القاتم؛ هذا
جعل ثائرتي
تتفجر
لأنكبَّ على
الهاتف، وقد
امتلأتُ
حنقاً على
نكرانها
للجميل،
وأنقر رقم
هاتف أسرتها.
زيادة في
حرصي ألقيت
نظري سريعاً
على ساعة
معصمي
فوجدتها
العاشرة إلا
ربعاً. ولما
بلغني صوت من
الطرف الآخر
من الهاتف،
صحت باللغة
العربية:
-
أين سعاد،
أين سعاد،
ياحقراء !؟
هطر
صوت باللغة
السويدية من
الطرف الآخر:
-
خابر (بيكومبريا
Beckomberga !
).
شتمت
المجاوب
طبعاً !
ويستحق ذلك
بالفعل ! إذ لا
داعيٍ أن
أخابر مستشفى
الأمراض
العقلية التي
يشير إليها؟!
وعدت
إلى الهاتف،
مرة أخرى،
ونقرت
الأرقام
وتعمدت أن
أتحقق من كل
رقم منها.
أجابني صوت
عرفته على
الفور. ( آسف إن
حاجبيَّ
يتحركان
تلقائياً
وليس له
علاقة بإعجاب
بذاتي)
هتفت
به:
-
أين شقيقتك
سعاد، ياكلب؟!
سكت
الصوت على
الطرف الآخر.
وهذه خصلة
جيدة في شخصي
تميزني عن
غيري من
الرجال: " أن
أضرب الحديد
وهو حام". ولم
يبلغني صوت
بعد ذلك،
ولما صرخت في
الهاتف بلغني
طنين مستمر.
فكرت بامعان،
كعهدي في
نفسي،
واستنتجت أن
هناك مؤامرة
تحاك ضدي.
***
إن
أمها التي
زارت سعادي
مرتين خلال
زواجي لم تكن
كما أردتها
أن تكون لدى
زيارتها بيتي.
كانت تخلو
إلى ابنتها،
سعادي،
وعندما كنت
أدخل عليهما
الغرفة أقدم
لها القهوة
التي برعتُ،
منذ صغري، في
تحضيرها،
متعمداً ألا
أظهر شكي
وأنا أقول:
-
إنك مثل
والدتي التي
علمتني تحضير
مثل هذه
القهوة
المركزة،
تفضلي !
كانت
تجيبني:
-
إنني لست
والدتك
ولاسيما وقد
تعودتُ على
القهوة
السويدية.
لم
تشرب قهوة من
تحضيري
إطلاقاً
إمعاناً منها
في ايغار صدر
سُعادي ضدي.
وكي
أكشف
المؤامرة
نظرت إلى
ساعة معصمي
ثانية. كانت
تشير إلى
العاشرة
تقريباً.
انطلقت أخرج
من الشقة
وأنا أحلل:
-
إنها تعمل
حتى الحادية
عشرة !
****
انطلقت
نحو موقف
سيارات
الأجرة
القريب من
بيتي. دخلت
السيارة
وهتفت في
السائق:
-
إلى (فاناديس
بلان Vanadisplan)،
سريعاً، محل (سفن
ايلفن 7 - 11 !
(
رمقني
السائق بنظرة
فهمتها بسرعة.
وهذه خصلة
أخرى في
شخصيتي: إنني
أفهم على
الفور.
اعتذرتُ
طبعاً. شرحت
له، وهو يسوق
السيارة
ونظره محكم
على الطريق،
إنني في صدد
الكشف عن
مؤامرة تحاك
ضدي وأنني في
طريقي إلى
حماتي التي
تعمل في محل( 7
- 11)
للمواد
الغذائية.
رمقني
بنظرة خاطفة
وقال باللغة
السويدية:
-
هوناً، هوناً
!
قلما
يصعب عليَّ
فهم ما يقال
لي، لكنني
الآن لم أفهم
بالضبط لم
يقل لي
هوناً، هوناً
! لم
أكن ثائراً !
إنني على ثقة
أنني غير
ثائر !
ويمكنني أن
أبرهن على
أنني غير
ثائر اذ فضلت
ركوب سيارة
الأجرة على
أن أركب
الحافلة !
فكرت،
وطبعاً هذا
غير معقول،
أنه لربما
كانت له
علاقة بسعاد
وأنه أحد
عناصر
المؤامرة
التي تحاك
ضدي ! أمعنت
النظر في
وجهه. رأيته
رجلاً في
الستين
تقريباً،
سويدياً
صرفاً.
استبعدت
الخاطرة
لكنها أصرت
على أن
تمتحنني مرة
أخرى.
هتف
هاتف في
داخلي:
-
ربما لديه
ابن شاب، أو
ربما صديق
شاب، خاصة
وأن موقف
منطقة عملهم
الدائم قرب
بيتك!
لم
أصدق الفكرة
الطارئة،
طبعاً، إنما
حرصاً مني،
كعادتي،
تحققت مرة
أخرى أنه في
الستين.
وقطعت دابر
وساوسي عندما
قررتُ أنه
عنّين ولم
يكن له زوجة
أو إمرأة في
حياته وأن
نساء المملكة
كلها عزفن
عنه، كما أنه
قبيح الشكل
لدرجة مقرفة
لدرجة أن أمه
لم ترضعه من
ثدييها لئلا
يلمسها. وأن
طباعه حادة
ومنفرة
ومتقلبة حتى
إنه ليس له أي
صديق في
الدنيا. وهو
على هذا
الشكل قررت،
في نفسي، أن
ما أراه إن هو
إلا طيف
شيطان وأن
ملائكة
السماء هي
التي تسوق بي
السيارة
تساعدني في
اماطة اللثام
عن المؤامرة
التي تحاك
ضدي.
وصلنا
أمام 7 - 11 في
الساعة
العاشرة
والنصف وثلاث
دقائق. رميت
إليه ورقتين
نقديتين من
فئة المئة
كرون دون أن
أحفل بالباقي
لأنني
قَدَّرتُ
ورَمَيْتُ
خشية أن أنظر
إليه وينقلب
إلى شاب وسيم.
*****
اندفعت
إلى داخل
المحل وأرسلت
نظري الثاقب
يمسح المحل
الصغير مثل
كشّاف
الكتروني.
هناك ! إنها،
على التعيين،
ترتدي بذة
عمل حمراء
وترتب بضاعة
مختلفة على
رفوف صفراء.
تقدمت إليها
ولما رأتني
تراجعتْ.
دَلَفَتْ
مستودع
البضائع.
لَحِقْتُ بها.
لحق بنا صاحب
المحل.
التفتت
إليَّ
اللئيمة
وسألت باللغة
السويدية
وكأنما كانت
لغة جدودها:
-
ماذا تريد؟
لماذا حضرت
إلى هنا؟
وقف
صاحب المحل
بيننا وقد
توجست فيه
شراً وسأل:
-
ماذا تريد؟
من أنت؟
التَفَت
إلى حماتي
وسألها:
-
من هذا
الرجل، هل
تعرفينه؟
حضرتها
الكريمة ردت
عليه
بالسويدية:
-
هذا هو... إنه
زوج سعاد !
وقف
عندئذ قبالتي
تماماً. أكاد
أحس بأنفاسه
التي بدأت
تتسارع مع
لهجته التي
بدت حادة.
خاطبني
السافل، ذنب
المؤامرة،
بنبرة لم ترق
لي:
-
غادر المحل
فوراً وإلا
أطلقت إنذار
الشرطة فوراً!
لامست
اصبعه زراً
أحمر على
جدار في مدخل
المستودع.
وأيضاً
من خصالي
الحميدة،
ليست تلك
التي
يُحتَمَلُ
تفسيرها، "
وفي الهزيمة
أعدو كالغزال"،
إنما "وفي
التأني
السلامة"،
وقبل أن
أغادر
المستودع
خاطبت حماتي
باللغة
العربية:
-
أرجوك أين
سعاد؟
وأجابتني
اللئيمة
باللغة
السويدية
وصاحب المحل
لايزال
واقفاً بيننا:
-
في بيت
النسوة Kvinno Huset !
هَتَفتُ
باللغة
العربية
أيضاً:
-
أي واحد منها
؟
أجابت
بالسويدية:
-
(يوت غاتان (Gotgatan !
انطلقت
بسرعة أغادر
محل ( 7 - 11 ) لأركب
سيارة أجرة
أخرى تعمدت
ألا أنظر إلى
سائقها بل
أنخت رأسي
بين كتفيَّ
وطلبت منه
بصوت منخفض:
-
إلى (يوت
غاتان، بيت
النساء Kvinno Huset
!
)
انطلق
السائق
بسيارته
ونظره يكاد
أن يثبت عليّ.
سأل:
-
هل أنت حزين؟
لم
أجب ولكنني
أسمع صوته
شاباً.
هدهدت
نفسي مطمئناً
في سريرتي:
-
إن منطقة
عمله بعيدة
عن بيتي !
بلغني
صوته وشعرت
بهزة في كتفي
الأيسر:
-
هل تبكي؟
لم
أجب. كانت
سيارة الأجرة
قد دخلت شارع (سفيا
فيغن (Sveavagen.
أطلق العنان
لسيارته وسلك
طرقاً لم
أتبينها
وسمعته يقول:
-
خمسون كرون،
شكراً !
نقدته
ورقة من فئة
المئة كرون
ولم أطلب
الباقي، هذا
ما أكتشفه،
الآن، وأنا
أجلس هنا في
زنزانة
التوقيف
المؤقت
أسترجع خيوط
المؤامرة.
وقفت
أمام باب
كبير خشبي
عَلَته يافطة
كُتِبَ عليها:
بيت النساء،
مبيت
الطواريء.
كانت الساعة
قد تجاوزت
الحادية عشرة.
وبالضبط
الساعة
الحادية عشرة
وتسعة دقائق.
ضغطت على جرس
الباب
وانتظرت. لم
يحب أحد. ضغطت
مرة أخرى
ضغطات
متتالية.
انفتحت نافذة
من طرف
البناء على
يساري وظهر
رأس نسوي من
الفتحة
الضيقة.
سأل
الرأس بحزم:
-
ماذا تريد؟
وقت الزيارات
المرفَّقة
مابين
التاسعة
والحادية
عشرة صباحاً !
وأغلق
الرأس
النافذة دون
أن ينتظر مني
جواباً.
أحسست ببركان
دموي يطغى
على كل خلية
من جسدي
ورأسي المثقل
بخيوط
المؤامرة.
ضغطت على زر
الجرس ضغطات
متتالية ومن
ثم ضغطة
طويلة. لم
أرفع سبابتي
عن زر الجرس
قبل أن فتح
الرأس النسوي
النافذة
ثانية.
سمعته
مهدداً:
-
إن لم تغادر
فوراً، وأعني
فوراً،
فستكون
الشرطة هنا
بعد لحظات !
حَلَّلْتُ،
طبعاً:
-
إنه أحد
العناصر
أيضاً ! طبعاً التي
تنفذ
المؤامرة
وربما كان
هذا الرأس من
خطَّط لها !
هَجَمْتُ
في خيالي على
الرأس النسوي
وشددته من
شعره، ورميته
أرضاً،
وركلته بين
العينين
وجعلته
يستجير ويكشف
عن المؤامرة.
لم أكد أضع
سبابتي على
زر الجرس مرة
أخرى إلا
وانفتحت
النافذة
وانتشر ضوء
أزرق متقطع
في الزقاق.
قال
الرأس النسوي
وقد أشرع
النافذة:
-
ذاك هو !
أمسك
بي اثنان من
رجال الشرطة
أحدهما
بيده اليسرى
من كتفي بعد
أن أبَّطَ
ذراعي بيده
اليمنى وقام
الآخر بمثل
ذلك من طرفي
الآخر.
ضغطاني على
طرف السيارة
وفتشاني
بسرعة. جعل
أحدهما قفلاً
على معصمي من
خلف بينما
فتح الآخر
باب السيارة.
رُميتُ في
المقعد
الخلفي
لسيارة (ساب (SAAB
.
وصلنا
قسم الشرطة
بعد دقائق
قليلة. ولما
دخلنا، بعد
أن حررا
يديّ، قال
شرطي يجلس
وراء طاولة
عالية فاهية
اللون:
-
ضع كل مالديك
من أشياء
قيمة أو غير
قيمة على
الطاولة !
ولاتنس رباط
حذائك وحزام
سروالك!
قلت
في داخلي:
-
وفي التأني
السلامة !
إنهم من
عناصر
المؤامرة
أيضاً !
فَعَلْتُ
كما طلب عنصر
المؤامرة مني
وقادني من
أحكم وثاق
معصميّ إلى
هذه الزنزانة
حيث أجلس
أحلل حيثيات
المؤامرة ضدي
وأكتشف
عناصرها
الواحد تلو
الآخر.
ولكن
... أن تلجأ
سُعادي إلى
بيت النسوة
السويدي فهو
أمر لايقبله
منطق واقعي
خاصة وأني لم
ألاحظ عليها
أية نية في أن
تغادر البيت
وهي التي
حضرت علبة
غدائي،حسب
طلبي، مما
تبقى من عشاء
البارحة.